أحدث الأخباررئيسيةشؤون فلسطينية

ملتقى الفكر التقدّمي يعقدُ لقاءه الحواريّ تحت عنوان “غسان كنفاني الذي تحوّل دمه حبرًا وكلماته منهجًا للثوّار”

على شرف الذكرى 51 لاستشهاده

إذاعة صوت الشعب

عقد ملتقى الفكر التقدّمي لقاءه الحواري تحت عنوان “غسّان كنفاني الذي تحوّل دمه حبرًا وكلماته منهجًا للثوار”، أمسِ الأحد، في قاعة مكتبة بلدية رفح، وسط حضورٍ لافتٍ من الكتّاب والأدباء والشخصيّات الوطنيّة والاعتباريّة.

وأدار اللقاء عضو هيئة الملتقى الرفيق أسامة صيدم مرّحبًا بالحضور، وافتتح اللقاء بالوقوف للسلام الوطني الفلسطيني، والوقوف دقيقة صمتٍ على أرواح الشهداء، وفي تقديمه للقاء؛ أكّد صيدم على “أهميّة الحفاظِ على الإرثِ الأدبيّ والثقافيّ للأدباءِ والمفكّرين والشّعراءِ الفلسطينيّين، خصوصًا من لديهم تَجرِبةٌ نضاليّةٌ غنيّة، كالشهيدِ الأديبِ غسّان كنفاني، باعتباره زادًا لنا في ظلّ الظروفِ الموضوعيّة الراهنة التي تتعرّضُ لها قضيّتُنا الوطنيّة، والعدوانِ الصهيونيّ الشامل، الذي يعكسُ طبيعةَ العقيدةِ الصهيونيّةِ الثابتةِ وجوهرَها القائمَ على الاقتلاعِ والإلغاءِ والتصفية، بما يزيد الحاجة إلى مشروعٍ ثقافيٍّ أدبيّ، يشكّلُ رافدًا لنضالِ شعبِنا وسلاحًا مضادًّا في وجهِ البروبوغاندا الصّهيونيّةِ والروايةِ الزائفة”.

وفي مداخلته تساءل الرفيق الدكتور وسام الفقعاوي، رئيس تحرير مجلّة الهدف: “من أيّة زاويةٍ ينبغي دراسة أو تناول كنفاني؟ هل من زاوية كونه رسامًا أم أديبًا أم روائيًّا أم قاصًّا أم مفكرًا وقائدًا سياسيًّا؟، أم من كلّ ما سبق؟ وكونه كاتبًا مسكونًا بعاطفة “الكتابة الكاملة”، كما ذهب للقول صديقه الشخصي د. فضل النقيب، وعاطفة المقاومة التي ارتكزت إليها عاطفة الكتابة الكاملة التي كان محورها الأساسي: فلسطين؛ ناسًا وأرضًا وحلمًا وتاريخًا ومستقبلًا”.

وفي السياق سلّط “الفقعاوي” الضوء على دراستين فكريّتين – سياسيّتين كتبهما غسان بين عامي 1969 – 1972: الأولى، دراسة “ثورة 1936 – 1939 في فلسطين: خلفيات، وتحاليل، وتفاصيل”، والثانية دراسة “المقاومة ومعضلاتها كما تراها الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين”، حيث قال: “إن غسان في دراسته حول ثورة 36 حدّد بوضوحٍ منذ البداية الأطراف الثلاثة التي شكّل وجودَها وتشابكَ مصالحِها بيئةٌ معاديةٌ لنمو الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة وتطوّرها، وهذه الأطراف هي: القيادات الفلسطينيّة الرجعيّة الدينيّة والأنظمة العربيّة المحيطة بفلسطين، والحلف الإمبريالي الصهيوني، وفي هذه البيئة قام غسان بعمليّة مسحٍ شاملٍ للوضع السياسي – الاقتصادي – الاجتماعي الفلسطيني، عشيّةَ الثورة في منتصف الثلاثينات، مركّزًا على أوضاعِ ثلاثِ فئاتٍ فلسطينيّة؛ العمال، والفلاحين، والمثقفين”.

وتحدّث الفقعاوي أنّ “غسان عدَّ أنّ هزيمة عام 1948 أنّها ما كانت لتقع لولا عدم القدرة على تحقيق أيٍّ من الأهداف التي رفعتها ثورة 36 – 39، مع تكبّدها خسائرَ ماديّةٍ وبشريّةٍ ومعنويّةٍ كبيرة، ما رواه غسّان بالنسبة إلى ثورة 1936 تكرّر بعد ذلك مرتين في تاريخ النضال الفلسطيني على الأقل، فنحن ندرك اليوم أنّ كارثة أوسلو، بما اشتملت عليه من اعتراف منظّمة التحرير الفلسطينيّة بشرعيّة الوجود “الإسرائيلي” على أرض فلسطين، لم تقع في سنة 1993، أي عند توقيع اتفاق أوسلو، وأنّ ما حدث سنة 1987، عندما انكسرت الانتفاضة الفلسطينيّة سنة 1989، وتلاشت؛ بسبب عجز منظمة التحرير عن الارتفاع إلى مستوى ذلك الحدث البطولي العظيم، وإمعانها في قبول الهبوط به إلى مستوى أدّى إلى تفتيت زخمه وتقليص فرص تطويره وتثويره، لنصل إلى هزيمة أوسلو، كذلك ندرك اليوم أن الانقسام الكارثي الذي أصاب الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة، وكرّس وجود سلطةٍ فلسطينيّةٍ في جزءٍ من الضفة الغربية تقف ضد خيار المقاومة، وتنسّق أمنيًّا مع العدو، وترهن ذاتها للإملاءات الأمريكيّة، وسلطة أخرى في غزّة تحت السيطرة الكاملة لحركة الإخوان المسلمين المتحالفة مع قوى الرجعيّة العربيّة تاريخيًّا، يمثّل امتدادًا لذلك الانقسام بين القوى الثوريّة التي قادت الناس للقتال ضد المُستعمِر البريطاني والوجود الصهيوني وأخرى تحالفت مع الاثنين”.

وحول دراسته الثانية المعنونة “المقاومة ومعضلاتها” أكّد د. وسام الفقعاوي أنّ “غسان قدّم في هذه الدراسة التي كتبها أواخر سنة 1969، توصيفًا دقيقًا لنقاط الضعف التي عانت منها المقاومة الفلسطينيّة بعد مرور سنتين فقط على انطلاقتها، من تناوله لمعضلاتٍ كثيرةٍ واجهتها حركة المقاومة في أعوامها الأولى، وقد دارت النقاط كلّها في نطاق العلاقات المتشابكة والمعقّدة بين “النظرية” و”التنظيم” و”الممارسة”. ولقد أثبت تاريخ المقاومة في السبعينات والثمانينات وحتّى اللحظة الراهنة أن عدم قدرة فصائل المقاومة على حسم هذه القضايا وتبني الحلول الصحيحة لها مهما تكن صعبة، كان مسؤولًا كليًّا عن الأخطاء التي ارتكبت، وما زال الكثير منها مستمرًّا”.

بينما تحدّث الرفيق رواد بدوي القيادي في حزب الشعب الفلسطيني عن أدب المقاومة في فكر غسّان قائلًا: “هناك إجماعٌ على أنّ الأدب الذي ينتج عن اختلاط المعاناة بمشاعر التمرّد، التي تموج في نفس الشاعر أو الأديب في مواجهة الاحتلال والظلم والاستبداد، فغسان كنفاني طرح مفهوم المقاومة في ثنائيّةٍ متلازمة، أدب المقاومة وأدب الثورة، حيث أصدر كتاباه عن أدب المقاومة في 1966 و1968، وكان خياره الأوّل المتاح الكتابة الثوريّة”.

وأكمل “بدوي” أنّه “يمكن هنا ملاحظة غسّان لضرورة دور أدب المقاومة وضرورته التاريخيّة، وهو ما استشعرت الحركة الصهيونيّة خطره مبكّرًا، حيث تناول غسّان أبعاد أدب المقاومة؛ الاجتماعي والوطني والقومي والإنساني، لذلك يعدّ مثقّفًا عضويًّا، وهو وصفٌ يطلقُ على المثقّف القادر على إحداث التغيير في المشهد القادم”.

وأوضح “بدوي” أنّ “غسان انتقل بين مدارسَ أدبيّةٍ ثلاث؛ الرومانسيّة والرمزيّة والواقعيّة، وحدود النهج الثوري عند غسان كنفاني يعني النضال حتى النهاية، حتى لو كلّف الإنسان حياته، فيقول غسان: كلّنا نفكّر بأشياء خطيرة، ورغم ذلك، نحن لا نعرّض حياتنا للنهاية بمجرد أنّنا نفكّر بأشياء خطيرة، الخطير الذي كنت أفكّر فيه تعريض حياتي للنهاية”.

واستعرض “بدوي” مراحل الأدب المقاوم عند غسان كنفاني “أوّلًا: ركّز على المواجهة لفكرة الاقتلاع، ثانيًا: على الخوف من التماس مع الأدب الصهيوني، ثالثًا: كان يراه أدبًا مغتربًا. فغسان هو القائل: الكلمة عندنا وسيلة، وأنّها إن لم تستطع أن تتحوّل إلى حجرٍ في يد الأعزل، إلى جوادٍ تحت رجلٍ طريد، إلى رمحٍ في يد فارس، إلى ضوءٍ في عيني أعمى، فلنسقط إلى النسيان والغبار والصدأ”.

وذكر “بدوي” مميزات الأدب المقاوم عند غسّان كنفاني “الأيقونة – الاستفاقة ووعي القضيّة -الديمومة والاستمراريّة – والتفرّد في مشروعه المقاوم والأسلوب التثويري ونبذ البكائيّة”.

وختم مداخلته، بقول الصهاينة عند اغتياله “اليوم تخلصنا من لواءٍ فكريٍّ مسلّح”.

أمّا الأديب محمد الشيخ علي، ففي كلمته عن الجانب الأدبي لفكر غسان كنفاني، قال “إنّ الأدب عند غسان كنفاني سبق السياسة، بل أدّى إليها أيضًا. والعلاقة السببيّة هنا في غاية الأهميّة؛ إذ دفعته مساهمته الأدبيّة في واقع التشرّد والحرمان الفلسطيني إلى العمل السياسي، مع إدراك أهميّة العمل الأدبي والفنّي وتميُّزه. وأدّى الواقع، لا النزعات والمدارس الأدبيّة، الدورَ الأهمَّ في صوغ أدبه وكتاباته؛ ذلك أنّ قضايا فلسطين تتطلّب حلولًا سياسيّةً عبر سياساتٍ مطلعةٍ واعيةٍ لواقع الفلسطينيين وألمهم اللذين بحث فيهما ومثَّلهما غسان كنفاني في قصصه المبكرة، كنفاني يمكن فهمه، باعتبار أن غسان المولود في سنة 1936 والمُهجّر من فلسطين سنة 1948، عاش القهر الفلسطيني المتعدّد الأوجه، من التهجير وما تخلّله من مرارات، إلى حياة المخيّمات وما فيها من متاعبَ مستمرّةٍ حتّى اليوم، فكان الأدب أداته الاحتجاجيّة الأولى، وكانت السياسةُ في هذا السبيلِ الطريقَ الأُخرى التي يمكن أن يسلكها الاستثنائي”.

وأضاف الشيخ علي: “لقد أدرك غسان حقيقة واقع ما أراد تغييره، عبر الرواية والأدب؛ وإنه أملٌ أن يكون لأدبه الأثر ذاته في الآخرين؛ الأمرُ الذي يفسّر حسّ الضرورة الملحّة والآنية التي تميّز أعماله. ولفهم هذه الحالة بشكلٍ أفضل، يمكن الرجوع إلى حوارٍ مع زوجة غسان، آني، التي تتذكر لقاءهما الأول في بيروت سنة 1961، عندما كانت مرسلةً بتوصيّةٍ من أحد رفاقه من دمشق، ولدى طلبها منه الذهاب إلى المخيّمات لتشاهد عن كثب، “غضب، وقال إنّني لا أوافق على أن تشاهدي مخيّمات اللاجئين قبل أن تعرفي أكثر عن المسألة كلّها”، وبالمقارنة والمقاربة مع سيرة غسان، يمكن الانتباه مباشرةً إلى أن أدبه تناول حياة شعبه موثّقًا عبر الأدب من جانب، وعبر الدراسات من جانبٍ آخر، منذ قصّته الأولى “شمس جديدة” سنة 1956، حتى آخر أعماله “عائد إلى حيفا” ورواية “العاشق” التي لم يكملها، جميع قصص كنفاني ليست كافيةً لتعطينا صورةً كاملةً عنه. فالرجلُ كان قصّاصًا وناقدًا أدبيًّا وكاتبًا مسرحيًّا ومحلّلًا سياسيًّا، وكان قبل كلّ شيءٍ مناضلًا”.

وأكمل قائلًا: “لقد كان غسّان كنفاني على ما يبدو مؤمنًا بأنّ الوصول إلى الناس، هو الوصول إلى السياسة، ولا يمكن الوصول إليهم إلاّ من خلال قصصهم التي هي في الجوهر حكايةٌ إنسانيّة، وفي الوضع الفلسطيني تصبحُ حكايةً إنسانيّة – سياسيّة. يقول غسّان في حوارٍ سنة ١٩٧٤، التأثير الأكبر على كتاباتي، يرجعُ إلى الواقع نفسه: ما أشاهده، تجارب أصدقائي وعائلتي وإخواني وتلامذتي، تعايشي في المخيّمات مع الفقر والبؤس. هذه هي العواملُ التي أثّرت فيّ”.

وأوضح “الشيخ علي”، أنّ أدب غسّان يحملُ همومًا سياسيّةً ووطنيّةً وإنسانيّة، مرتبطةً بالأرض المحتلّة والشعب الصامد، في الداخل وفي مخيمات الخارج، الذي كان يتطلّع إلى نجاته عبر الثورة فقط، وعدا عن أدبه ودراساته السياسيّة والثقافيّة التي أكّدت ذلك، فقد قال ذات مرّة لأم سعد “الثورة طريق فلسطين. فلسطين يا مجنونة! الثورة طريق الدنيا”. ما قاله غسان لأم سعد في حديث ما جرى بينهما، قرأنا جوهره في “عائد إلى حيفا”، مثلًا: “لقد أخطأنا حين عَدَدْنا أنّ الوطن هو الماضي فقط، أمّا خالد فالوطن عنده هو المستقبل، وهكذا كان الافتراق، وهكذا أراد خالد أن يحمل السلاح”. وفي قصة “أم سعد” أيضًا، إذ كتب: “هذه المرأة تلد الأولاد فيصيروا فدائيين، هي تخلف وفلسطين تأخذ!”. وفي رجال في الشمس “لماذا لم يدقّوا جدران الخزان؟”. ولربما اليوم يعيد غسان الصدى الذي ردّدته الصحراء ليعاتبنا وينهرنا وينبهنا “لماذا لم تدقّوا جدران الخزّان؟ لماذا لم تقرعوا جدران الخزّان؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟”.

وفي ختام اللقاء قدّم العديدَ من المشاركين مجموعةً من المداخلات والأسئلة حولَ المحاور التي جرى مناقشتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى