مقالات

في ذكرى رحيلِ الكاتبِ الصحفيّ الفلسطيني الكبير هاني حبيب

إذاعة صوت الشعب- حسين الجمل كاتب صحفي/ فلسطين

تحضرنا ذكرى عزيزةٌ على قلوبنا؛ ذكرى مرورِ عامٍ على رحيل الكاتب الصحفيّ هاني حبيب، الذي غادرنا قبل عام، هذه الذكرى التي أنعشت ذاكرتنا بكلِّ ما هو إنسانيٌّ وجميل؛ بكلِّ ما هو وطنيٌّ خالص؛ بكلِّ ما هو ديمقراطيٌّ مفعمٌ بالحياة؛ بكلِّ شعورٍ مملوءٍ بالتصالح مع الذات.

بداية المشوار مع رفيقي وزميلي هاني حبيب، حين عاد إلى أرض الوطن، وكنت قد عرفته عن بعدٍ من خلال عمله في مجلّة الهدف الورقيّة في بيروت ودمشق؛ لم أتخيّل أن يكون هاني بهذه البساطة والتواضع والحسّ المرهف، استنادًا لموقفه المتقدّم في مجلّة الهدف، وكتاباته ذات الوضوحِ والقوّة.

تعزّزت العلاقةُ مع هاني – وهذا المسار الطبيعي لها – مع إنسانٍ مثل هاني، الذي كان يتمتّع بجملةٍ من السجايا والصفات التي يمتلكها كاتبٌ صحفيٌّ ديمقراطيٌّ وطنيٌّ إنسان.

لم يتوقّف عن الكتابة لفلسطين، وعن فلسطين؛ القضيّة، والشعب، والثورة، والمؤامرة، ولأعداء فلسطين، الهمّ المحمول الملازم لتفكيره ووجدانه، ومن ثَمَّ قلمه الذي استمرَّ في الكتابة حتّى بعد تعرّضه للجلطة الدماغية، وفقد النطق بسببها؛ حضر إلى المكتب لتبادل أطراف الحديث بالإشارة، أو إذا استعصى الأمرُ نتبادل الكلمات أوراقًا مكتوبة.

ولعلَّ انتماءه لفلسطين الذي فاق كلَّ انتماء معبّرٌ عن ذلك سلوكًا وممارسةً من خلال البوابة الوطنيّة، الذي انتقل من خلالها إلى العمل بالصحافة، لم ينكر أبدًا علاقته بالجبهة الشعبيّة والحكيم جورج حبش تحديدًا؛ إذ إنّه عمل بمكتب الحكيم سنواتٍ طوالٍ يعدّها تجربةً مهمّةً استفاد منها الكثير، ولعلَّ سجايا الحكيم، وإنسانيّته، وتواضعه، كان لها إثرٌ في تشكّل شخصيّته، كما يقول: “من يصدق أن الحكيم كان يجهز قهوة الصباح بيده، ويناديني لشرب القهوة سويًّا”.

يقولُ هاني: ذهبت إلى مكاتب المنظّمة في عمان؛ لألبّي نداءَ الواجب بالدفاع عن الثورة؛ لينقلونا بعد ذلك إلى بيروت في قواعد الجبهة الشعبيّة؛ والحديث لـ هاني: “كنت مقاتلًا بسيطًا، وفي إحدى الزيارات للحكيم جورج حبش للقواعد، سألني الحكيم: من أين أنت يا ابني؟ أجبته: من غزة. قال لي: لماذا لم تكمل تعليمك؟ قلت له: أهلي لا يوجد لديهم قدرة على تعليمي!، فأخذ اسمي، وكنت من أوائل المقبولين لمنحةٍ دراسيّةٍ في رومانيا، وبعد التخرّج من الجامعة بشهادة ماجستير بالإعلام عملت في الهدف”.

أقول: إنّ هاني أصبح صحفيًّا بعد حياةٍ عسكريّةٍ على حدود فلسطين بالجنوب اللبناني، فكيف لا يستمر في الكتابة لفلسطين؟ حتى بعد رحيله لم يتوقّف قلمه عن الكتابة لفلسطين، للديمقراطيّة، للإنسان؛ انتماؤه لهذه المسمّيات لم يكن نظريًّا ولا منظرًا فقط، بل ربط كل ذلك بالسلوك والممارسة؛ أنّ سلاح النقد البنّاء لدى هاني كان حاضرًا غير انتقائي، إنّه صاحبٌ لهُويّة الديمقراطيّة اليساريّة دون تماهٍ حتى في أسوأ الظروف، بقي هاني قويَّ الإرادة، والمعتقد، والتوجّه، لعلَّ الإنسان يلجأ للمجاملة ارتباطًا بعلاقةٍ ما، أو مركزٍ اجتماعيٍّ معيّن، في حين كان هاني لا يأخذ أي اعتبارٍ مما ذكر إذا ما رأى اعوجاجًا أو تقصيرًا معيّنًا، وهذا يتدرّج على كلّ مجالات اهتمامٍ أو فعلٍ يكون هاني حاضرًا فيه مؤتمرًا، ندوةً، لقاءً.. إلخ، وبغض النظر عن القائمين على هذا النشاط أو الفعل، سواءً أكان يمينًا، أم يسارً، فكلّه أمام سيف النقد سواسيةٌ دون مجاملةٍ أو تماهٍ.

صحيح أن الإنسان الذي يعتنق الديمقراطية، ويؤمن بها؛ فمن الطبيعي جدًّا أن يهتم بالآخر ويشعر به.

ولكن، هاني شيءٌ مختلفٌ تمامًا… يشتري من البائع – ليس لأنّه بحاجةٍ إلى صنفٍ معيّن، ولكن لكي يساعد هذا البائع – يقول هاني: أنا أرغب بمساعدته، وليس بشراء بضاعته طوال اليوم في الشمس.

أما علاقته مع الوقت، فلقد سجّل احترامًا عاليًّا بدقّة المواعيد، ومنتهى الالتزام بها، بغضّ النظر عن أهميّة الموعد، وهذا بحدّ ذاته عكس نفسه بشكلٍ واضحٍ وحاسمٍ وناقدٍ لاذعٍ لكلّ من يخالف أو يتأخّر عن الموعد مهما كان وصفه أو مقامه، أذكر كان لنا لقاء في نقابة الصحفيين، وحضرنا سويًّا قبل الموعد بدقائق، ومع الأسف يومها تأخّر عن الموعد مَن دعا للقاء، وما إن حضر حتى طلب هاني الحديث، وبدأ بوابل من النقد اللاذع لتأخّرهم وقد كانت النتيجة في اللقاء اللاحق أن حضر منظمو اللقاء قبل الحضور قائلين: “بنخاف نتأخّر من هاني”.

في هذا اليوم زميلي هاني؛ نستحضرك إنسانًا وفيًّا وطنيًّا مخلصًا لحاضنتك الأولى الجبهة الشعبيّة… صحيح أنك غادرتها، لكنّك بقيت تحملُ الاحترام العالي لها، ليس هذا وحسب، بل حافظت على إيقاع حياتك بما لا يغضبها، وذكرت لي ذات مرّةٍ حين سألتك عن إنهاء علاقتك بالجبهة، قلت لي: إنّ الأعزاء الرفاق طلبوا مني أن أكتب استئنافًا وأسلّمه لأبو علي مصطفى، فقمت بذلك، وحين قرأ أبو علي الاستئناف، ضحك بصوتٍ عالٍ، وقال: “هذا الاستئنافُ يفصلك 12 مرّة يا هاني”.

قصدتُ بذكري هذه الحادثة أن هاني حتى في لغة الاستئناف لم يأخذ بعين الاعتبار قبولًا أو رفضًا.. ليبقى هاني المتصالح مع ذاته والمدافع الشرس عن قناعاته حتى لو أغضبت أعزّ الناس.

هذا هو هاني لروحك الطاهرة التحيّة والاحترام في كل الأزمان راحلًا وحاضرًا بيننا ما دمنا.. سلامًا يا رفيق.. سلامًا يا زميل.. سلامًا يا صديق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى